عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
73
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
الفصل الثالث في مقام الزهد قال اللّه تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) [ الشّورى : 20 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حب الدنيا رأس كل خطيئة » « 1 » قال : اعلم أن الزهد في الدنيا رأس كل طاعة كما أن حبها رأس كل خطيئة ، قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « يا طالب الدنيا لتبر فتركها أبر ، وأبر » « 2 » وقال سهل : أعمال البر كلها في موازين الزهاد وثواب زهدهم زيادة لهم . وقيل : من سمى باسم الزهد في الدنيا فقد سمى بألف اسم مذموم . وكان الفضيل بن عياض يقول : جعل اللّه الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا ، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد . وقال سهل بن عبد اللّه : للعقل ألف اسم ولكل اسم منه ألف اسم وأول كل اسم منه ترك الدنيا . وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إذا رأيتم الرجل قد أوتي زهدا في الدنيا ومنطقا فاقتربوا منه فإنه يلقّى الحكمة » « 3 » . وقيل : إذا زهد العبد في الدنيا وكل اللّه به ملكا يغرس الحكمة في قلبه ، وذلك أن الحكمة مودعة في القلب من جملة ما خمر اللّه تعالى في طينة آدم بيده ونفخ روحه فيه من أنواع العلوم في سر وعلم آدم الأسماء كلها على مثال كنز في الأرض ، فلا يظهر الكنز إلا بكشف التراب عنه ، وتراب كنوز العلوم كلها حب الدنيا ، ولا يخرج حب الدنيا من القلوب إلا باستعمال الذكر الدائم ، وبتجريد الظاهر وتفريد الباطن عن التعلقات الدنياوية ، وإخلاص العمل للّه كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « من أخلص للّه أربعين صباحا ، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » « 4 » .
--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ( 6 / 341 ) طبعة دار الفكر - بيروت . وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ، كتاب الأخلاق ، قسم الأقوال ، حديث رقم ( 6111 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت وأخرجه غيرهما . ( 2 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 3 ) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ( 9 / 98 ) وابن عساكر في تهذيب دمشق ( 4 / 451 ) طبعة بيروت نسخة تصوير بيروت ، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ، كتاب الأخلاق ، قسم الأقوال ، حديث رقم ( 6066 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت وأخرجه غيرهم . ( 4 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2359 ) ، طبعة دار الكتب العلمية - بيروت .